وقودٌ للمستقبل

اللحظة الفارقة في الصناعة السورية

يحظى قطاع الصناعة في سوريا بفرصٍ كثيرةٍ تنتظر من يستغلها، فقد تحرر الصناعيون من الممارسات الاستغلالية التي كانت سائدةً في عهد نظام الأسد، ومن معظم العقوبات التي كانت قد عَزلت سوريا عن العالم؛ كما تُوفر عودة النازحين أيديَ عاملةً وفيرةً في مدنٍ كانت قد فرغتْ من شبابها. أما الصناعيون في المنفى فتراهم يتطلعون بفارغ الصبر إلى استعادة دورهم المحوري في الاقتصاد السوري عبر إنتاج مواد البناء والملابس والمواد الغذائية والأدوية التي ستشكل الوقود اللازم لتعافي بلدهم. غير أن هذه الفرص لا تزال معلقةً لغاية الآن، فالسياسات المتقلبة وغير الواضحة لا تعيق عودة الشركات من الخارج وحسب، بل تُضعف أيضاً المنتجين الذين واصلوا العمل رغم الحرب والحصار والعقوبات، ويكافحون اليوم من أجل البقاء وسط الاضطراب الذي يرافق المرحلة الانتقالية في سوريا.

من الصعب إحصاءُ عدد المنشآت الصناعية التي أغلقت أبوابها منذ كانون الأول / ديسمبر 2024، لكن في مدينتَي دمشق وحلب، المعروفتين بعراقتهما في تصنيع كل شيءٍ من الملابس إلى الأدوية، تكثرُ الروايات عن تراجعٍ أصاب هذا القطاع في الفترة الأخيرة. أفاد رجل أعمالٍ في دمشق بأن نحو 19 مصنعاً وورشةً كانت تُغلق يومياً في مرحلةٍ ما من أواخر عام 2025. وفي الفترة نفسها، ذكر مسؤولٌ محلٌّي أن نحو 5,000 عاملٍ فقدوا وظائفهم في صناعة حقائب الظهر في دمشق ومحيطها؛ كما أن موظفاً شاباً لدى الأمم المتحدة متخصصاً في تنمية القطاع الخاص لخّص الشعورَ السائدَ بقوله: "الصناعة هي أكثر القطاعات تضرراً منذ تحرير سوريا."

والمشكلة الأساسية واضحةٌ وضوح الشمس، فبالمقارنة مع فترة حكم بشار الأسد، يواجه المنتجون السوريون اليوم منافسةً أكبر تفرضها الوارداتُ، وتكاليفَ إنتاجٍ أعلى، ودعماً حكومياً أقل؛ فقد سارعتِ القيادة الجديدة إلى خفض الرسوم الجمركية خفضاً كبيراً، ما أغرق الأسواقَ ببضائعَ رخيصةٍ قادمةٍ من تركيا وغيرها، ثم رفعتِ الدعمَ عن الوقود والكهرباء، ما أدى إلى قفزةٍ حادةٍ في أسعار الطاقة، وفاقمها الاضطرابُ الذي نجم عن الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران. كما أدت عودة النازحين إلى ارتفاع الإيجارات، بما في ذلك إيجارات المنشآت الصناعية. ورغم أن اليد العاملة لا تزال متاحةً بتكلفةٍ معقولةٍ، يُضطر كثيرٌ من الصناعيين إلى تسريح العمال لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمّل بقية تكاليف الإنتاج؛ وفي ذلك قال أحد مصنّعي النسيج في المدينة الصناعية بالشيخ نجار في حلب، خلال حديثٍ جرى في شباط / فبراير2026: "لقد سرّحتُ نصف موظفيّ خلال العام الماضي، وبصراحةٍ أخطط لبيع جميع آلاتي، وتغيير مجال عملي. لقد تعبتُ. أستطيع أن أجني من بيع معداتي أكثر مما أجنيه لو واصلتُ الإنتاجَ، كما أني سأحتاج إلى عددٍ أقل من الموظفين."

يتبادل بعضُ الصناعيين وصنّاع السياسات إلقاءَ اللوم في هذا المأزق في ظل انقطاع التواصل بينهم، انقطاعاً يشكل بحد ذاته جزءاً من المشكلة؛ ففي بعض الأحيان يصوّر المسؤولون معاناة القطاع بأنها جزءٌ من عملية تكيفٍ ضروريةٍ، فيما تنتقل سوريا من بيئةٍ مغلقةٍ نسبياً إلى مرحلةٍ جديدةٍ تتّسم بمنافسةٍ سوقيةٍ حادةٍ. قال أحد كبار صنّاع السياسات في دمشق: "على رجال الأعمال السوريين تحسينُ جودة منتجاتهم؛ فهم يفتقرون إلى روح الابتكار والاستعداد للمخاطرة، وعليهم تحديثُ آلاتهم التي مضى على استخدامها 15 أو 20 عاماً." وردّد مسؤولٌ في حلب الفكرةَ نفسها، ملمحاً في الوقت ذاته إلى نظرة الريبة التي ينظر بها قادةُ سوريا الجددُ إلى من واصلوا أعمالهم في عهد الأسد، فقال: "إن معظم الشركات التي تعاني اليوم هي تلك التي كانت تعمل مع النظام السابق، فهي تُدار إدارةً سيئةً، وتُنتج سلعاً منخفضةَ الجودة، ولذا تهاوتْ جميعاً لما فُتح السوق."

يعترض الصناعيون على هذا التصوير، وهم محقون في اعتراضهم ذاك؛ فرغم أن سوريا في عهد الأسد ضمّت عدداً كبيراً من رجال الأعمال المحسوبين على السلطة، إلى جانب مصانعَ حكوميةٍ مترهلةٍ، فإنها ضمتْ كذلك آلافاً من شركاتٍ كان معظمها صغيراً ومتوسطاً، شركاتٍ كانت تكافح في سبيل استمرار العمل، ودفع أجورٍ تسدُّ بيها رمقَ موظفيها. أما اليوم، فيشعر هؤلاء بأن الحكومة قد تخلّت عنهم، إنْ لم تكن تستهدفهم؛ وفي ذلك قال رجل أعمالٍ ينتمي لغرفة صناعة حلب، في إشارةٍ منه إلى النهج الحكومي الحالي القائم على مبدأ "النجاح أو الهلاك": "لقد وضعتنا الحكومة في مواجهة فوهة بندقيةٍ." وشأنه في ذلك شأنُ كثيرٍ من زملائه، إذ يقرّ ذلك الرجل بأن المصانع السورية بحاجةٍ إلى تحديث كل شيءٍ؛ من الآلات إلى تصميم المنتجات وقدرات التدريب؛ لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن ذلك لا يمكن أن يتحقق بين عشيةٍ وضحاها، ويوافقه الرأيَ مُصنّع النسيج في المدينة الصناعية بالشيخ نجار قائلاً: "تريد الحكومة منا تحديثَ آلاتنا. لقد اشتريتُ آلاتي عام 2005، وقد أجني 10 آلاف دولارٍ إن بعتها، بينما سيكلفني شراءُ بدائل لها ما لا يقل عن 30 ألف دولارٍ؛ فكيف يمكنني فعل ذلك في ظل الأسعار الحالية؟" كما أفاد صناعيٌّ آخرُ في حلب أنه استثمر 2.5 مليون دولار لتحديث معداته عام 2021، عندما بعَثَ الحديثُ عن تطبيع العلاقات العربية مع سوريا الأملَ بانتعاش الاقتصاد، لكنه اليوم يشكك في صواب قراره ذاك في ظل الظروف الراهنة.

ولا تقتصر المشكلة على أن التكاليف لم تعد مجديةً اقتصادياً وحسب؛ إذ يرى البعض أن المشكلة الأعمق تكمن في غياب الشفافية، وعدم القدرة على التنبؤ، والإقصاء عند صياغة السياسات الاقتصادية. ويشير هؤلاء، على سبيل المثال، إلى إنشاء صندوق ثروةٍ سياديٍّ غامضٍ، وإنشاء هيئةٍ جمركيةٍ جديدةٍ ذاتِ صلاحياتٍ واسعةٍ، كما يشيرون إلى الغموض الذي خلقه تشكيل لجنة "مكافحة الكسب غير المشروع"، والتي تواصل مصادرة أموالٍ ومقدراتٍ ضخمةٍ يُزعم أنها كانت مرتبطةً بالنظام السابق، وذلك دون أن توضح المعايير التي تعتمدها في استهداف تلك الأموال، أو كيفية التصرف بها بعد مصادرتها. بالإضافة إلى ذلك، يشعر الصناعيون بالاستياء من الانطباع العام بأن السلطات السورية الجديدة تنظر إليهم وكأنهم مخلفاتُ مرحلةٍ ينبغي التخلص منها، لا شركاء ينبغي التعاون معهم. وقد لخّص العضو في غرفة صناعة حلب هذا الشعورَ بالإقصاء، والذي يشاركه فيه الكثيرون، بقوله: "نريد أن نشارك في صنع القرار."

يختلف الطرفان حول تحديد المسؤول عن هذا المأزق، كما يختلفان حول سبل الخروج منه؛ فالمسؤولون حريصون على جذب الاستثمارات الكبيرة من الشركات الأجنبية، ومن رجال الأعمال السوريين في الخارج، انطلاقاً من ظنهم بأن تلك الاستثمارات ستنعش السوقَ، وتخلق النوع المطلوب من المنافسة. لخص رجل أعمالٍ في غرفة تجارة حلب الموقفَ السائدَ في الأوساط الرسمية بقوله: "نسعى إلى استقطاب مصانعَ كبيرةٍ من شأنها أن تحرك عجلة الاقتصاد، بما يعود بالفائدة أيضاً على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي ستساهم بالتوريد لتلك المصانع."

غير أن تلك الرواية المتفائلة تتجاهل حقيقةً أساسيةً، وهي أن المشكلاتِ التي تُقوّض المنتجين السوريين الحاليين تَثني أيضاً المستثمرين الجددَ في الخارج عن دخول السوق؛ فإذا كانت عملية صنع القرار الغامضةُ والاعتباطيةُ تمثل عقبةً أمام الشركات السورية الصغيرة، فإنها تشكل عائقاً أيضاً أمام الشركات متعددة الجنسيات؛ وفي ذلك قال أحد مصنّعي الأدوية: "تحدّثْ إلى أي بنكٍ أو شركةٍ أجنبيةٍ بشأن العمل في سوريا، وستسمع الجواب نفسه: يجب أن ترتب سوريا بيتَها الداخلي أولا." وينطبق الأمر ذاته على ارتفاع تكاليف الإنتاج، وفي ذلك تساءل موظف الأمم المتحدة العاملُ في مجال تنمية القطاع الخاص: "لماذا تستثمر في سوريا حين يمكنك الاستثمار في مصر؟ ففي مصرَ عقاراتٌ صناعيةٌ أرخصُ، وأيدٍ عاملةٌ أقل تكلفةً، وكهرباءُ أرخصُ، ومهاراتٌ أعلى في بعض القطاعات."

وفي هذه العقبات تفسيرٌ لندرة النتائج المنجَزة رغم إبرام عشرات مذكرات التفاهم الرامية إلى جذب الاستثمارات الدولية، ورغم تركيز السلطات على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، وهو ما عبّر عنه مستثمرٌ في دمشق بنبرةٍ تشي بإحباطه في أيار / مايو 2026: "مضى عامٌ كاملٌ على توقيع مذكرات التفاهم، لكنها لم تُثمر عملياً عن أي شيءٍ يُذكر."

وفي ظل ندرة المبادرات الجديدة، راحت تداعيات تراجع القطاع الصناعي تمتد إلى مختلف جوانب الاقتصاد السوري المنهك؛ فحتى في أحلك سنوات الحرب، ظل قطاع الصناعة يوفر فرص عملٍ لشريحةٍ واسعةٍ من العمال ذوي المهارات المتدنية والعالية على حدٍّ سواءَ، بمن فيهم الفئات المهمشة كالنساء والنازحين من المناطق الريفية، ولم يوفر القطاع وظائفَ بدوامٍ كاملٍ للعاملين وأسرهم وحسب، بل شمل أيضاً وظائفَ بدوام جزئي للعاملين في المهن الثانوية، كسائقي الشاحنات. وفي حلب التي كان اقتصادها كلُّه قائماً على الصناعة، أوضح عامل خدمات منزلية كيف أدى تراجع القطاع بعد سقوط نظام الأسد إلى فقدانه عملَه الثاني كسائق شاحنةٍ صغيرةٍ لدى مصانع النسيج؛ عملٍ كان يؤمّن له نحوَ 100 دولارٍ أسبوعياً، وهو دخلٌ يفوق راتب الموظف الحكومي، وكان يمثل شريان حياةٍ لرجلٍ بات يكافح اليوم لإعالة أطفاله الاثني عشر في ظل الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة.

إن الأهمية الكبيرة لهذا القطاع وتدهور حالته جعلتْ منه ساحةً لجدلٍ سياسيٍّ محتدمٍ، وهو ما يُعد في حد ذاته مؤشراً إيجابياً على انفتاح الفضاء السياسي في سوريا ما بعد الأسد، فقد دخلت غرفة صناعة حلب في مواجهةٍ علنيةٍ مع القيادة السورية في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، ما دفع الرئيسَ أحمد الشرع إلى زيارة المدينة بنفسه. وفي حزيران / يونيو 2026 رعت وزارة الاقتصاد السورية مؤتمراً رفيع المستوى حول دور القطاع الخاص، فوجّه خلاله المشاركون انتقاداتٍ علنيةً للسياسات الحكومية ضمن فعاليةٍ حضرها مئاتٌ، منهم سفراءُ ووزراءُ. ويرحب منتقدو الحكومة بإمكانية التعبير عن آرائهم علانيةً، لكنهم يشيرون في الوقت ذاته إلى أن هذه النقاشاتِ لا تزال مبعثرةً، وتفتقر للتخطيط الجيد، وغالباً ما تؤدي إلى مجرد تنازلاتٍ محدودةٍ بدلاً من إصلاحاتٍ هيكليةٍ.

ولذا فإن ما تحتاج إليه سوريا هو سياسةٌ صناعيةٌ تُصاغ عبر قنواتٍ مؤسسيةٍ واضحةٍ؛ سياسةٌ يمكن من خلالها تسخير الموارد المتاحة لتحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل، بدلاً من المراهنة على استثماراتٍ أجنبيةٍ قد تأتي وقد لا تأتي. يدرك الصناعيون السوريون ما ينقصهم جيداً، بدءاً من حدٍّ أدنى من الدعم الذي يتيح لهم الصمودَ إلى أن يتمكنوا من تحديث منشآتهم؛ فالدعم الجزئي للكهرباء، وتوفير المياه بأسعارٍ معقولةٍ، ومنح القروض الصناعية، كلها إجراءاتٌ من شأنها أن تُحْدث فَرقاَ كبيراً، ولا سيما إذا ما اقترنت بالاستثمار في التدريب المهني؛ كما يطمحون إلى حراكٍ دبلوماسيٍ اقتصاديٍ يعيد انسياب التجارة مع لبنان والأردن والعراق، ويُسهم في تصحيح الاختلال القائم حالياً في العلاقة التجارية مع تركيا، ويدعون أيضاً إلى وضع جدول رسومٍ جمركيةٍ يُصاغ بالتشاور المنظَّم مع الاتحادات والغرف التجارية السورية بدلاً من إقراره بمراسيمَ رئاسيةٍ؛ كما يتطلعون إلى الانتقال من نهج المراسيم الرئاسية، وصناديق الثروة السيادية، وإعادة التوزيع الضبابي للمقدرات، إلى نظامٍ تُسن فيه السياسات الاقتصادية عبر التشريعات؛ لا أن يكون مجرد موضوعٍ للنقاش العلني.

والأهم من ذلك كله هو ألا تحظى هذه الرؤية بدعم الصناعيين السوريين وحدهم، بل بدعم كثيرٍ من شركاء سوريا الدوليين أيضاً؛ فلدول الخليج الحريصةِ على الاستثمار في سوريا – رغم خشيتها المخاطرَ والاختلالَ الوظيفي السائد فيها - مصلحةٌ واضحةٌ في دعم سياسةٍ صناعيةٍ تستند إلى إجراء إصلاحاتٍ جوهريةٍ في الحوكمة الاقتصادية؛ كما أن للدول الأوروبية التي تتوق لعودة اللاجئين، وترغب في تمكين شركاتها متعددة الجنسيات من دخول السوق السورية، الكثيرُ لتكسبه هي الأخرى؛ فقد أمضت سنواتٍ في تمويل برامج ريادة الأعمال والتدريب المهني للاجئين السوريين، وبات بإمكانها اليوم جني ثمار هذا الاستثمار عبر مساعدة قطاع الصناعة السوري في استيعاب ذلك الرصيد من رأس المال البشري، ولا يقتصر هذا الدعم على المِنح والقروض الميسرة؛ بل ينبغي أن يقترن أيضاً بالمساعدة الفنية؛ وهو السبيل إلى إحياء الإنتاج المحلي، والذي سيمكّن بدوره السوريين من إعادة بناء وطنهم وفقاً لأولوياتهم هم.

7 تموز / يوليو 2026

د. مايا شحادة هي مستشارةٌ لدى منظمة سينابس
أليكس سايمون هو مدير البحوث في سينابس


ممتنون لاستخدام الرسوم: محمد حافظ
Eternal Cities (2023); Framed Nostalgia 1 (2019)


محتوى ذو صلة