السعي نحو معلومات أفضل

من داخل مواقع الإعلام اللبنانية

سيمون مانخون

تُعتبر بيروت موطناً لعدد متزايد من الصحف الرائدة التي تسعى إلى إعادة صياغة علاقة الجمهور بالمعلومات. هناك العديد من الأسباب التي تجعل لبنان، برغم صغر حجمه، ينضم إلى طليعة التحول العالمي في المشهد الإعلامي، فقد مثّل هذا البلد على مرّ التاريخ ملاذاً نادراً للفكر الحر في العالم العربي، وهو دور راح يتضاءل إلى أن أحيته الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت المنطقة عام 2011؛ كما أنّ هناك وفرة في المواضيع التي يمكن الكتابة عنها، فتركيز وسائل الإعلام التقليدية على الحروب المدمرة والمواضيع السياسية المملة خلَق ندرة في التقارير التي تتناول القضايا الاجتماعية والاقتصادية. يُضاف إلى ذلك تمتّع الطبقة الوسطى بمواهب وفيرة تغذي مهارات التواصل ومبادرات النشطاء وروح المبادرة.

رغم توفر كل هذا الإمكانيات، تواجه وسائل الإعلام اللبنانية الجديدة تحديات كبيرة في جهودها لإنتاج معلومات شيقة وملائمة، فقواعد السوق لا ترحم، والجمهور محيّر،بالطبع هذا الأمر ليس حكراً على لبنان، لكن الديناميات المحلية فيه هي صورة مصغرة عن تلك الديناميات الموجودة في أيّ مكان آخر. تطرح وسائل الإعلام هذه؛ التي تستخدم وسائل متواضعة رغم تمتعها بعناد وتصميم كبيرين؛ سؤالاً مهماً: في أيّ ظروف يمكن للمجتمع أن ينتج ويعمم صورة صحيحة عن نفسه؟

منطلق واحد ومسارات شتى

يؤكد روّاد وسائل الإعلام الناشئة باستمرار على صعوبة وأهمية سدّ الفجوة بين الروايات السائدة عن بلادهم في وسائل الإعلام العريقة من ناحية، وواقع حياتهم اليومية من ناحية أخرى. لقد جرت العادة على تشويه صورة لبنان أكثر من غالبية البلدان الأخرى، إذ تواظب وسائل الاعلام العالمية على تصوير هذا البلد من خلال مزيج من الكليشيهات العنيفة الموروثة من الحرب الأهلية التي دامت خمسة عشر عاماً، والقوالب النمطية المبتذلة التي تصور برومانسية الحياة الليلية وأساليب الطهي في هذا البلد. إحدى مؤسسِات موقع "لبنة وحقائق" (Labne&Facts)، وهو موقع قائم على وسائل التواصل الاجتماعي يركز على المقالات القصيرة التثقيفية أو الملهِمة، تقول مصمّمةً على الخروج عن هذه الروايات: "نريد إعطاء صوت للبنانيين الذين يبتكرون الحلول ويقترحونها."

تصوغ بعض وسائل الإعلام عملها بما يتناقض مع الروايات التبسيطية المفروضة من الخارج، أما البعض الآخر فيعالج أوجه القصور في الصحافة التقليدية في لبنان. تكرر القنوات التلفزيونية والصحف المرتبطة بالأحزاب السياسية بث أخبار وتعليقات متحزبة، ما يعمّق الانقسامات في هذا البلد ويخلّف شعوراً بالإهمال لدى كثير من اللبنانيين. رداً على ذلك، قامت مجموعة من الطلاب بإنشاء منصة ميغافون (Megaphone) وراحوا ينتجون مقاطع فيديو قصيرة تدرس قضايا الساعة لجمهور فيسبوك. يقول أحد مؤسسي المنصة: "لقد وُلدتْ منصتنا من رحم الإحباط الشديد. لم يكن هناك وسيلة إعلامية تلائم رؤيتنا للمجتمع، لذا قررنا أن نبيّن لمن هم مثلنا كيف تبدو الحياة في هذا البلد." كما أُسست منصة درج ميديا (Daraj Media)​​، وهي منصة إخبارية عربية تنمو سريعاً وتطمح إلى توفير طريق ثالث مستقل عن المحسوبية والاستقطاب السياسي.

وبالمثل، يُعدّ تعزيز وجهات النظر الأكثر "فطرية" عن الحياة اليومية هدفاً رئيساً لموقعما شاء الله نيوز” (Mashallah News) الذي يُعتبر أحد روّاد هذه الموجة الجديدة من منصات المعلومات منذ عام 2010، وينشر "قصصاً من هنا عن هنا." يشترط هذا الموقع على أعضاء فريقه من المراسلين المحترفين والهواة المنتشرين في العالم العربي أن يتواجدوا في مكان عملهم بشكل دائم، على عكس نهج الكثير من المراسلين الغربيين ممن يعملون في وكالات الأنباء الكبرى والذين يسافرون لتغطية آخر التطورات لفترة وجيزة من الزمن ويغادرون. يقول أحد مؤسسي هذه المنصة: "يستاء الفرنسيون من وصف قناة فوكس نيوز ضواحيَ باريس بأنها مناطق مشبوهة مثلما يستاء اللبنانيون عندما تقحم وسائل الإعلام الأجنبية رأيها في حياتهم."

قررنا أن نبيّن لمن هم مثلنا كيف تبدو الحياة في هذا البلد 

تهدف وسائل الإعلام الناشئة إلى سد الفجوة بين الوقائع المحلية وطريقة تصويرها المنقوصة، وتستخدم مجموعة واسعة من أدوات تواصل تتحدّى الممارسات التقليدية. تتقن بعض هذه المنصات، مثل ميغافون "لبنة وحقائق"، دَرَجَ، ورصيف 22، وهو موقع عربي ينشر أخباراً وتحقيقات صحفية، نشرَ مقالاتٍ وأخبار مرئية قصيرة تلائم العصر الرقمي. كما أنّ هناك منصات أخرى تنفث روحاً جديدة في سبلٍ جرى اختبارها وتجريبها مسبقاً، كموقع "كل يوم" وهي صحيفة أسبوعية موجهة لأطفال المدارس توفر لهم تقارير ذات جودة عالية باللغة العربية. أمّا مجلة The Outpost، "مجلة الإمكانيات" الجميلة، فقد كانت تُنشر بين عامي 2011 و2015 في سياق التحول الذي صاحبَ الانتفاضاتِ التي شهدتها المنطقة، وتلتها صحف مطبوعة رصينة أخرى مثل "بدايات" (التي أُطلقت في عام 2012 "لمواكبة الربيع العربي وفهمه") و "مكانيات" (وهي صحيفة انطلقت عام 2018 لمعالجة القضايا المدينيّة). في عام 2018 أُطلق راديو مانشن (Radio Mansion) من منزل مهجور في بيروت؛ منزلٍ تحول منذ ذلك الحين إلى مركز للمبادرات الثقافية. تستفيد هذه المحطة من شهية الجمهور للمنصات الصوتية القائمة على الإنترنت.

في سعيها للنأي بنفسها عن الروايات المفروضة فرْضاً، وعن أنماط التعبير التقليدية، تواجه وسائل الإعلام الناشئة مشكلةً متكرّرة تتمثل في كيفية رسم ملامح انخراطها في بيئة تطغى عليها السياسة؛ بيئةٍ مشوبة إلى درجة أن أي موقف سياسيّ يثير الريبة. تميل بعض هذه الوسائل إلى الحفاظ على هالة من الحياد. يقول أحد الصحافيين المحترفين: "أعتقد أننا مستقلون ومحايدون، فالصحافة، وليس السياسة، هي في صلب رسالتنا." في الطرف المقابل من الطيف، يرى آخرون أن السياسة موجودة في صُلب كل شيء، حيث يقول ناشط يعمل ويكتب لإحدى وسائل الإعلام الناشئة: "إن التزام الحياد لهو رأي سياسي في حدّ ذاته، فوراء كل وسيلة إعلامية مشروع سياسي يسعى إلى التأثير في الرأي العام، وتصويرِ الحقائق من زاوية معينة، وتتبنى رؤية معينة عن العالم." ميغافون هي أحد أبرز الأمثلة على ذلك، فمقاطع الفيديو التي تنشرها تمزج بين النشاط العام والصحافة.

لكن نادرة هي وسائل الإعلام التي تتخذ موقفاً إيديولوجياً واضحاً، وأحد الأمثلة على هذه الندرة هي صحيفة بدايات التي تتصف بأنها يسارية بوضوح، فالتوجه السائد أكثر غموضاً، وفي بعض الأحيان أكثر طموحاً وذلك باستثمار الفضاء العامّ بروايات لا تدين بشيء للسياسات القديمة،  كما لو أنّ الأمل الوحيد للمستقبل سيكمن في شيء جديد كلياً.

متاهة السوق

غير أنّ أكبر تحدٍّ يواجه جميع وسائل الإعلام الناشئة هو تحدٍّ عمليٌّ للغاية، ألا وهو المال، فأغلب مصادر التمويل شحيحةٌ وغيرُ مستقرة لدرجة أنّ فكرة النموذج الاقتصادي المستدام هي شيء صعب المنال. يأخذ الجمهور على نحو متزايد المعلومات المجانية كأمر مسلَّم به، وهو ميلٌ يساهم في التراجع  الكبير للصحف اليومية التقليدية. لخّص الأزمةَ صحافيٌّ سابق في L’Orient-Express وهي مجلة لبنانية كانت تُنشر من عام 1995 إلى عام 1998، بقوله: "في الستينات، بيعت مئة ألف صحيفة كلّ يوم، مقابل خمسة عشر ألفاً اليوم. لا يستثني هذا التراجعُ الوسائطَ الرقمية نظراً لصعوبة تأمين الاشتراكات عبر الإنترنت."


لا يرى هذا الصحافي في الإعلانات حلاً لهذا التراجع ، فيقول: "سوق الإعلان في لبنان ضعيف جداً، وليس أمام الصحف اليومية في نهاية المطاف من خيار سوى الاعتماد على المال السياسي." تهيمن القنوات التلفزيونية التقليدية على قطاع الإعلان، إذ يشاهدها الجمهور اللبناني لأكثر من أربع ساعات يومياً في المتوسط؛ ​​وذلك وفقاً لمسح أجرته شركة Ipsos-Nielsen عام 2017، وتستحوذ على ما يقرب من نصف الأموال من سوق يُقال إنه يتقلص عاماً بعد عام. في هذا السياق، تفتقر وسائل الإعلام الصغيرة إلى أي سبيل لجذب الشركات الكبيرة، وحتى مصادرُ الدخل الحزبيةَ تتضاءل وفقاً لأيمن مهنا، المدير التنفيذي لمركز SKeyes الكائنِ في بيروت، فيقول: "تعتمد معظم الصحف والقنوات التلفزيونية اللبنانية على صلاتها المتينة بعالم السياسة، غير أنّ هذه الرعاية آخذة في التضاؤل إذ لا يتقاضى الصحافيون العاملون في وسائل الإعلام التقليدية هذه رواتب منتظمة." 

قصارى القول، تحاول وسائل الإعلام الناشئة انتزاع مساحة لنفسها في قطاع يعاني أزمة عميقة، أزمة تنطوي على مصاعب وفرص محتملة على حد سواء. قد تمثّل صحيفة السفير العربيّ أفضل توضيح للحاجة إلى نماذج عمل جديدة، فقد أُطلقت هذه الصحيفة في عام 2012 بواسطة عالمة الاجتماع نهلة شهال كمحاولة لتخليص "منطقتنا من العجز والخوف من التغيير اللذين تسببهما الأنظمة الاستبدادية والفقر." في بداية الأمر دخل القائمون على المشروع في علاقة مع صحيفة السفير اليومية العريقة، حيث تمتعوا بإمكانية الوصول إلى قنوات توزيع هذه الصحيفة وإمكانية توفير التكاليف المتعلقة بالمباني والموارد البشرية والطباعة. في المقابل، كانت صحيفة السفير العربي توزَّع كمكمّلٍ لمنشورها الأم، وراحت تقدم تغطية إقليمية معمقة من خلال شبكة من مراسلين عرب. انتهى هذا الترتيب عندما تقدمت صحيفة السفير بطلب الإعسار المالي في عام 2016؛ ما دفع صحيفة السفير العربي إلى التحول كلياً إلى المجال الرقمي.

هناك رغبة متزايدة للنشر تفوق الرغبة في القراءة

تعتمد وسائل الإعلام الناشئة في الوقت الراهن اعتماداً كبيراً على التفاني الكبير لقضيتها. تسعى جميع المبادرات للحصول على تمويل مستدام، بيد أن معظمها لا يستطيع تغطية نفقاته في الظروف الراهنة، وغالباً ما تعتمد بدلاً من ذلك على العمل المجاني وأشكال أخرى من الدعم التطوعي لتعويض التدفق الشحيح للإيرادات. يعتمد كثير من رواد الإعلام على مدخراتهم الشخصية أو يستفيدون من شبكات أسرهم أو يستمرون في مزاولة وظيفة مأجورة لا صلة لها بمهنتهم لكي يتمكنوا من تغطية النفقات؛ منتظرين أن يحالفهم الحظ في فرصة لا تأتي دوماً. يتذكر مؤسس صحيفة Outpost إبراهيم نعمة ذلك قائلاً: "لقد أنفقتُ أموالي على الصحيفة في بادئ الأمر، ثم حصلنا على بعض الإعلانات لكنها لم تفِ بالغرض، كما أطلقنا حملة تمويل جماعية، لكننا لم نتمكن من إيجاد نموذج مستدام في نهاية المطاف." لاقتِ الصحيفة قبولاً ورواجاً واسعين رغم استحالة تحصيلها للمال.

بغضّ النظر عن هذه الحقائق الاقتصادية، ما يزال هناك كثير من الصحفيين والمواطنين اللبنانيين ممن يتوقون لإسماع صوتهم عبر قنوات بديلة. يؤكد فواز طرابلسي مؤسس صحيفة بدايات ذلك بقوله: "المساهمون مؤمنون برسالتنا، ويريدون المكان المناسب لنشر أعمالهم. إلى حد ما، هناك رغبة متزايدة في النشر تفوق الرغبة في القراءة." ينتج عن ذلك الأمر فيض من المحتوى المجاني ما يؤدي إلى خفض قيمة المحتوى وبالتالي انخفاض الأسعار، حتى أسعار التقارير المهنية. على سبيل المثال، حوّلت صحيفة درَج هذا الفيض إلى فرصة بأن أصبحت مكاناً لصحفيين يعملون بدوام كامل لبيع مقالات بديلة لا تتناسب مع معايير وتحيزات وسائل الإعلام التقليدية التي يعمل أغلبهم فيها.
في سوق يطغى عليه المحتوى العام المجاني، يتدفق الدخل من أنشطة جانبية تجري بالإضافة إلى السبب الأساسي لوجود منصة ما. تعمل كلّ من صحيفة دَرَج و "لبنة وحقائق" أيضاً بمثابة منتجين بتكليف من شركاء لصنع الفيديو أو المحتوى الاجتماعي، وبالمثل، تدرس صحيفة "كل يوم" إنتاج برامج تعليمية مخصصة، غير أن ربحية مثل هذا المحتوى تضعف بسبب الكم الهائل من الوقت والطاقة الذي يكرسه رواد الإعلام لهدفهم الأساسي، ألا وهو نشر محتوىً صحافيٍّ عالي الجودة مدفوعٍ بنظرتهمُ الخاصةِ للعالم.

تلعب المساعدات الخارجية دوراً كبيراً في حل مشكلة التمويل، في حين أنها تخدم طموحات الحكومات الغربية التي تقول إنها تسعى لتعزيز الديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان في العالم العربي. ولّدت انتفاضات العام 2011 وتداعياتها العنيفة سلسلة من المبادرات المصممة لـ "تمكين الشباب" وتشجيع "صحافة المواطن" أو مواجهة "الروايات المتطرفة" والتي تُرجمت جميعها إلى دعم مالي لوسائل الإعلام الناشئة. التمويل المقدم لهذه المبادرات جيّد مقارنة بالموازنات التي عادة ما تعتمد عليها معظم هذه الوسائل. على سبيل المثال، تنفق مؤسسة طومسون حالياً، وهي منظمة خيرية بريطانية تسعى للارتقاء بمعايير الصحافة في الخارج، ثمانية ملايين يورو على مدى ثلاث سنوات على "تطوير وسائل الإعلام المستقلة في المنطقة."

لقد حققنا نجاحاً كبيراً، لكنّ الجوائز لا تدفع الفواتير

تتنوع هذه التدخلات الخارجية من حيث نطاقها، وتوفر فرصاً لجميع المشاريع المتعلقة بالمعلومات تقريباً. موّلت المؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية عمل صحيفة مكانيات عن القضايا المدينيّة، كما حصلت صحيفة كل يوم على منحة من قناة فرنسا الدولية (Canal France International)، وهي مؤسسة فرنسية تسعى لتطوير وسائل الإعلام، لدعم تحويل محتواها المخصص للأطفال إلى محتوى رقمي.

غير أنّ التمويل الأساسي المستقر يظل نادراً، حيث تُخصَّص الموازنات في الغالب لتمويل مشاريع محددة للغاية. وهكذا، قامت مؤسسة روزا لوكسمبورغ، وهي جهة مانحة ألمانية، بتمويل ملفات صحيفة السفير العربي عن الاقتصاد غير الرسمي والهجرة واليسار السياسي في المغرب العربي. تركز بعض المبادرات على بناء الكفاءة داخل القطاع من خلال ورشٍ ومنتديات أخرى تعمل أيضاً كمناسبات للتواصل والتسويق. بَرزَ موقع "لبنة وحقائق" للواجهة بعد فوزه بجائزة نقدية صغيرة إلى جانب فرصة إرشادية في مسابقةٍ "لرائدات الأعمال الناطقات بالفرنسية". قام أحد مؤسسي الموقع بتقييم التجربة قائلاً: "كانت تلك الفرصة الإرشادية مفيدة وتثقيفية للغاية، فقد فعلنا الكثير لتحسين خطة عملنا واستراتيجية التواصل بمساعدة المدربين."

غالباً ما تكون مساعدة كهذه مفيدة، غير أنها لا تجدي كثيرَ نفعٍ إزاء حلّ المشكلة الأساسية المتمثلة في العثور على إيرادات مستدامة. يقول نعمة مؤسس صحيفة The Outpost والذي عايش تجربة كهذه: "لقد حققنا نجاحاً كبيراً، وحصلنا على جوائز دولية، لكنّ الجوائز ليست نموذجاً اقتصادياً، فهي لا تدفع الفواتير." ما يضاعف من هذه التحديات حقيقة أن المانحين يضغطون على المنظمات التي يدعمونها للبحث عن مصادر تمويل مستقلة في حين أنهم لا يقدمون استثماراً مستداماً يسمح لشركائهم بالوقوف على أقدامهم والابتكار في مرحلة ما بعد البدء.

كما أنّ هناك مجموعة من الأمور المتعلقة بالتأطير الغامض والمتقلب للأموال الخارجية. غالباً ما تبدو الديمقراطية وغيرها من المفاهيم العصرية؛ والغامضة في ذات الوقت؛ كما لو أنها تخدم أولوياتٍ غيرَ متسقة، ما يترك الشركاء المحتملين في حيرة حيال ما يُتوقع منهم. قد يُطلب من موقع إخباري يركز على الحياة اليومية للبنانيين العاديين أن يدرج في أجندته مواضيع من قبيل "بناء السلام" أو "التماسك الاجتماعي" البعيدة كل البعد عن فهمه لما يحتاجه القراء من معلومات. قال أكاديمي لبناني متخصص في الصحافة بنبرة تشي بالامتعاض: "تبدو جميع وسائل الإعلام الناشئة والمنظمات غير الحكومية ورواد الأعمال ذوو التأثير الاجتماعي مجمّعين في الحقيبة نفسها. ينتهي الأمر بالمانحين بصياغة توقعات محددة للغاية لا تتلاءم، على سبيل المثال، مع رسالة الصحفي."

إن التوفيق بين نظرةٍ عضويةٍ للتغيير ورؤية أولئك الذين يمكنهم تمويل هذا التغيير يمثل مشكلة عويصة لأولئك الذين يتعاملون مع المانحين الأجانب. يقول أحد العاملين في وسيلة إعلام ناطقة باللغة العربية: "لدى بعض المتبرعين أفكار محددة للغاية عما يريدون، ويحاولون فرضها علينا. على سبيل المثال، طلب منا البعض النشر باللغة الإنجليزية، لكنّ هذا سيعني تغيير هويتنا بالكامل، ونحن لن نتغير."

جمهور من الصعب فهمه

في سيناريو مثالي، لا يجب أن تعتمد منصة إعلامية معينة على العمل بدون مقابل وعلى الأصدقاء والعائلة ورأس المال السياسي أو الأموال الأجنبية اعتماداً كبيراً، بل على العطاء والأخذ المستمر بين من ينتجون المحتوى ومن يستهلكونه؛ لكنّ العلاقة بين وسائل الإعلام والجمهور؛ في عصر الإعلام الرقمي، ربما من أكثر العلاقات صعوبة.

فيسبوك هو ناشر، لكننا لا نلتقي به مطلقاً ولا يمكننا الوثوق به

إن عدم تمكن وسائلُ الإعلام من جني أموال كافية من مبيعات النشر لتمويل نفسها هي ليست بالحقيقة الجديدة، فهذه الوسائل موجودة منذ زمن طويل كوسيط بين جمهور محدد من جانب والشركات أو الشخصيات العامة الراغبة في شراء الوصول إليه من الجانب الآخر. كان المال السياسي والإعلان على مرّ التاريخ عاملين لا يمكن الاستغناء عنهما في دعم بعض وسائل الإعلام، ما جعل المعلومات في متناول المستخدمين النهائيين. في الوقت نفسه، ضمنت المساهمة المالية المناسبة من قبل المستخدمين النهائيين احتفاظ وسائل الإعلام بمستوى من المساءلة تجاه زبائنها، وبالتالي درجة من الاستقلالية تجاه الجهات الراعية الأكبر.

تقف وسائل الإعلام الناشئة اليوم أمام جمهور هائل يصعب فهمه في سوق يؤثر فيه المحتوى المجاني الوفير والمال المؤسسي الآخذ بالتضاؤل. يمثّل هذا الجمهور لغزاً محيراً، كما لو كان المستهلكون يتساءلون: أين هي وسيلة الإعلام التي أريدها والمصممة خصيصاً لاحتياجاتي الفردية والممولة من الآخرين ولكنها لا تخضع لسيطرتهم الكلّية؟

لئن طمحت جميع المشاريع الإعلامية الناشئة تقريباً إلى إعادة صياغة علاقتها بالجمهور، إلا أنّ هذا التحدي لكبير حقاً. بعكس ما هو معروف، تخلق الأدوات الرقمية مشكلات بقدر تلك التي تحلّها - ليس أقلها عبر تقديم وهم الاتصال السهل. في ظاهر الأمر، تلغي القوائم البريدية الإلكترونية والمنصات الاجتماعية الحاجة إلى آليات التوزيع والترويج التقليدية، كما تمنح الإعجاباتُ والمشاركاتُ شعوراً بالاستجابة الفورية. تولّد مواقع مثل MailChimp وفيسبوك وتويتر بيانات وافرة عن المشاهدين، وصولاً إلى أنماط سلوكهم وانتشارهم الجغرافي وخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية.

لكن لا شيء من هذه المعلومات الكمية يجيب على الأسئلة النوعية حيال ما يبحث عنه الجمهور ويجده في وسائل الإعلام. تقدم الخوارزميات انحيازاً خاصاً بها، حيث تركز على توجهات معينة على حساب غيرها؛ وغالباً على حساب المصالح المتخصصة. قال أحد مؤسسي درَج: "بكل بساطة، سيلاقي أي شيء يتعلق بالأخبار العاجلة رواجاً على وسائل التواصل الاجتماعي." يرى رواد إعلام آخرون أن الترويج لمحتواهم على فيسبوك وتويتر وأماكن أخرى يشوش علاقتهم مع الجمهور في نهاية المطاف لأن التداول مدفوع بخوارزميات غامضة بدل أن يكون مدفوعاً بأولويات الجمهور. اشتكى ناشط يعمل في موقع ميغافون من ذلك بقوله: "فيسبوك هو ناشر، لكننا لا نلتقي به أبداً، ولا يمكننا الوثوق به. في نهاية المطاف علينا الاعتماد بشكل أكبر على موقع ويب خاص بنا."

وفي الوقت نفسه، لا يدفع المشاهدون الرقميون المال عادةً مقابل المحتوى، ما يعيق الأبحاث كاستطلاعات الرأي ومجموعات التركيز التي تعتمد عليها وسائل الإعلام التقليدية للتعرف على جمهورها. في المشهد الحالي، يكفي إحصاء عدد النقرات في حال كان الغرض هو إظهار النمو الإجمالي وإعطاء الأولوية للمحتوى الشائع وزيادة فرص الإعلان المحدودة.

سواء في العالم الرقمي أو الحقيقي، هناك خطر من أن تجبر ديناميات السوق وسائل الإعلام على العودة إلى علاقة مع الجمهور، علاقة تهزم غايتَها بنفسها. يمكن لصحيفة كل يوم أن تفتخر بكونها "أكثر الصحف المطبوعة قراءة على نطاق واسع في لبنان" مع ستة آلاف اشتراك مدفوع؛ كلها على شكل رسوم مدرسية من مؤسسات خاصة، غير أن مؤسسيها يعترفون بأن جمهورهم المستهدف هو الجميع ما عدا الأثرياء، ولا يزال عليهم اكتشاف نموذج عمل يخدم الأطفال الأقل حظاً. من جانبها، تقوم صحيفة مكانيات بتوزيع ألف نسخة مجانية في المقاهي لينتهي بها المطاف بأيدي من يتبنون قضيتها سلفاً. أما صحيفة ميغافون، فمتنبّهة جداً لهذه المشكلة نظراً لميلها النضالي. يقول أحد مؤسسيها: "ركزنا في البداية على الطبقة المتوسطة العلمانية الليبرالية؛ أي على أنفسنا بعبارة أخرى، لكننا خشينا العزلة. أصدقاؤنا في الجامعة معجبون بنا بالتأكيد. لكنّ الآخرين يهموننا كذلك."

ركزنا على الطبقة المتوسطة العلمانية الليبرالية؛ أي على أنفسنا بعبارة أخرى؛ لكن الآخرين يهموننا كذلك!

من نواح كثيرة، تحوي الطبيعة "البديلة" لوسائل الإعلام الناشئة عقبة متأصلة أمام خلق علاقة أكثر استقراراً وثباتاً مع جمهور أوسع. يمثل الخروج عن المألوف مركز جاذبية هذه الوسائل، غير أن ذلك يضعها على الهامش تلقائياً "كشيء آخر" يمكن الرجوع إليه بين الحين والآخر بدلاً من أن تمثل نقطة محورية قائمة على الزيارات الثابتة والاشتراكات المدفوعة. ومن المفارقة أن بعض أكثر داعمي هذه الوسائل حماسةً يظهرون ولاءً لوسائل الإعلام التقليدية التي ينتقدونها في الوقت ذاته. أوضح طالب لبناني يدرس الصحافة ذلك بقوله: " أنا لا أثق في وسائل الإعلام التقليدية، لكنني أحتاج إليها للحصول على الأخبار اليومية ولمعرفة ما يحدث في بلدي. لديّ جميع تطبيقاتها على هاتفي، وعلى الأقل أعرفهم على حقيقتهم، أما وسائل الإعلام الناشئة فهي تمثّل سؤالاً مفتوحاً."

* * *

تواجه وسائل الإعلام الناشئة مصاعب عدة، لكنها مصاعب تسير جنباً إلى جنب مع قدرة هذه الوسائل الكبيرة على التجريب المجتهد والتكيف المستمر، ويمكن القول إنّ المتاعب التي تمرّ بها هي نعمة مقنّعة، فهي تفرض عليها القيام بعمليات مستمرة من التأمل والابتكار والإبداع، وتكمن نقاط القوة الحقيقية لنماذجها في طرق الاستجابة لهذا الاختبار الصعب.

في لبنان، يلاقي رواد الإعلام نجاحاً، على الأقل في جلب أصوات جديدة ووجهات نظر مبتكرة إلى السطح في بيئة عامة راكدة تغصّ بالمشاحنات الحزبية. وبهذا المعنى، يقدم القطاع بأكمله للمنتجين والمستهلكين على حد سواء فرصة للتعرف على أنفسهم كجزء من سعي أوسع لفهم تحولات العمل من داخل مجتمعهم. إن هذا ما تحققه المبادرات الإعلامية الناشئة بشكل جماعي، بغض النظر عن الاستدامة الاقتصادية لهذه المنصة أو تلك، إنها تلقي بظلال الشك على أنماط تواصل قد أضحت طرقاً مسدودة. من هناك، يبدو خلق مشهد جديد كلياُ أمراً ممكناً يلوح في الأفق.

15 تشرين أول / أكتوبر 2018


سيمون مانخون - متدرّب سابق في سينابس 
قام بالترجمة للعربية حسان حساني 

تم استخدام الصور بموجب رخصة المشاع الابداعي من:
Illustration credits: Michael Sgan-Cohen leviathan; background frame by Pixabay; Fernand Khnopff Caresses by Wikipedia

The quest for better information

Inside Lebanon's media labs


How the Lebanese economy...


Daesh is not the point

Counter-intuiting the Middle East


Sign up for the occasional Slow Read. We publish only what makes us proud

* indicates required